الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلالتسجيلدخول
Cool Dark Blue
    Pointer Glitter

شاطر | 
 

 ¨°o.O (حصريــ) O.o°¨أثر الوعي ــــا ~*¤ô§ô¤*~التاريخ في بناء المستقبل~*¤ô§ô¤*~دراسة قرآنية ذكر الأنبياء نموذجاً

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد بولفرى
المـديـر العـــام
المـديـر العـــام
avatar

الجنس الجنس :
البلــــــــــــد البلــــــــــــد :
نسخة المنتدى نسخة المنتدى :
نوع المتصفح :
العمل أو الترفيه :
كيف تعرفت علينا كيف تعرفت علينا : كوكل
عدد المساهمات عدد المساهمات : 394
رصيد الكاتل رصيد الكاتل : 20064
سمعة العضو في المنتدى سمعة العضو في المنتدى : 18
عمر العضو عمر العضو : 23
الأوسمة :
احترام قانون المنتدى احترام قانون المنتدى :

مُساهمةموضوع: ¨°o.O (حصريــ) O.o°¨أثر الوعي ــــا ~*¤ô§ô¤*~التاريخ في بناء المستقبل~*¤ô§ô¤*~دراسة قرآنية ذكر الأنبياء نموذجاً   الخميس يوليو 28, 2011 10:49 am

و الصلاة و السلام على أشرف المرسليـن ...
الحمد لله وحده نحمده و نشكره و نستعينه و نستغفره و نعود بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا ...
...من يهده الله فلا مظل له و من يظلل فلن تجد له ولياً مرشدا ..
...و أشهد ألا إلاه إلا الله وحده لا شريك له و أن محمداً عبده و رسوله صلى الله عليه و سلم ...
... و على آله و صحبه أجمعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ...
...ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الخبير ...
...ربنا لا فهم لنا إلا ما فهمتنا إنك أنت الجواد الكريم ...
...ربي اشرح لي صدري و يسر لي أمري و احلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ...
...أما بعد ...
...فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى و خير الهدي هديُ سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ...
...و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار ...
... فاللهم أجرنا و قنا عذابها برحمتك يا أرحم الراحمين...







تمهيد:
لقد أنزل
الله عز وجل القرآن كتاب هداية للعالمين، وقد تنوعت أساليب الهداية
القرآنية، فمنها ما هو مباشر ومنها ما هو إيحاء، ومن خصائص القرآن الكريم
أن جميع نصوصه تتضمن جانباً من جوانب الهدي والإرشاد وإن كان موضوعها
الظاهر غير مباشر في الهداية، ومن هذه الجوانب الهدائية ما أكد عليه القرآن
الكريم وكرره في سور مختلفة وهو الحديث عن التاريخ وبالخصوص التاريخ
الرسالي للأنبياء وحياتهم ومعاناتهم في سبيل الدعوة، فالمقصد الأساسي من
ذكر الأنبياء في القرآن ليس الماضي إنما مستقبل الإنسان، ذلك أن حديث
القرآني عن الحقائق التاريخية ليس تأريخاً لأحداث بقدر ما هو درس من أجل
الاستفادة منه في حاضر الإنسان ومستقبله، لذلك أهمل القرآن تفاصيل الأحداث
غير ذات الجدوى في الهداية والموعظة والعبرة.
فسؤال المستقبل الأبعد
(الآخرة) كان حاضراً في كل الرسالات، فمن مهام كل رسول يبعث أن ينذر قومه
من عواقب أعمالهم ويذكرهم بمستقبل آت عليهم أن يستعدوا له، بل إن الإيمان
بالآخرة والمصير هو ركن من أركان الإيمان آمن به جميع الرسل ودعوا إليه،
وبتحذير الرسل الناس من ذلك اليوم يقيم الله الحجة على الخلق يوم القيامة،
قال تعالى: يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ
مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ
يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا
كَافِرِينَ(الأنعام:130)
من جهة أخرى فإن عنصر المستقبل يتجلى بوضوح من
خلال قصص الأنبياء والأخبار التاريخية عموماً وما اقترنت به من دلائل تمثل
مؤشراً على وظيفة ذكر التاريخ في الحاضر والمستقبل، يخاطب الله عز وجل
الذين يرثون الأرض ليتأملوا بمصير الأقوام الذين قص القرآن أخبارهم ليحذروا
من مصيرهم أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ
أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى
قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ(100) تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ
مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا
كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ
اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ(الأعراف:101)، فذكر القصص في القرآن
إنما يقصد منه التفكر والتأمل فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ(الأعراف:176) والذكرى وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ
أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ
الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(هود:120) والعبرة
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ
حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ(يوسف:111) والأسوة لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ
حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ
يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (الممتحنة:6)، كل
هذه الوظائف التي تؤديها القصص والأخبار التاريخية إنما تتجه إلى المستقبل،
فالتفكر والتأمل بالقصص يقود إلى استخلاص العبرة منها والدرس الذي يسدد
سلوك الإنسان ويبصره بمخاطر الانزلاق والانحراف، كما يكشف له قوانين النجاح
فيتخذ من الأنبياء الذين تحدث عنهم القرآن أسوة له في الحياة وبناء
المستقبل، هذه الأبعاد أجملتها الآيات القرآنية بتعبير السنة والسنن التي
لا تتبدل ولا تتحول سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل قَدْ خَلَتْ
مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(آل عمران:137)، يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ
لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ
عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(النساء:26)، سُنَّةَ مَنْ قَدْ
أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا
تَحْوِيلاً(الإسراء:77) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ
قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً(الأحزاب:62) فَهَلْ
يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ
تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً(فاطر:43) سُنَّةَ
اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ
تَبْدِيلاً(الفتح:23).
فالأمر بالنظر في السنن الإلهية ما هو إلا أمر
بالنظر إلى المستقبل من خلال الماضي للتعرف على قوانين حركة التاريخ والكون
ومراعاتها في سلوك الحاضر والتخطيط للمستقبل، ومن خلال قصص الأنبياء
والأخبار التاريخية عنهم سنحاول استجلاء الإشارات إلى المستقبل، يتدبر
الآيات ذات الصلة، وسنركز بالخصوص من خلال استعراض مواطن ذكر كل منهم على
تجلية العناصر التالية:
- توجيه الأنبياء أقوامهم إلى المستقبل سواء من خلال دعوتهم أو من خلال تذكير أقوامهم بالتاريخ ودور الاعتبار به في بناء المستقبل.
- وظيفة ذكر كل من الأنبياء في القرآن وأثر ذلك في توجيه الإنسان نحو المستقبل في ظل هدي الرسالة الخاتمة.
- عنصر السننية في قصص الأنبياء وأثره في وعي المستقبل.
هذه الزوايا سنحاول التطرق إليها من خلال المطالب التالية:
المطلب الأول:الملائكة تتساءل عن مستقبل الإنسان (مؤشرات المستقبل في سياقات ذكر آدم )
المطلب الثاني:الظلم مؤشر انهيار الأمم (دروس المستقبل في سياقات ذكر نوح )
المطلب الثالث:أهمية الأسوة ورمزية المكان والزمان (دروس المستقبل في سياقات ذكر إبراهيم )
المطلب الرابع: المستقبل من خلال سنة الله في الأقوام (دروس المستقبل في سياقات ذكر الرسل الآخرين–عليهم السلام- وأقوامهم)
المطلب الخامس:استحضار التاريخ استعداداً للمستقبل (دروس المستقبل في ذكر موسى  ومن بعده )
المطلب السادس:البشرى بخاتم الأنبياء والتحذير من تحريف الرسالات (دروس المستقبل في ذكر عيسى )
المطلب السابع:الرسالة الخاتمة والمستقبل
الخاتمة:


المطلب الأول
الملائكة تتساءل عن مستقبل الإنسان
(مؤشرات المستقبل في سياقات ذكر آدم )

ورد
ذكر آدم  في القرآن خمساً وعشرين مرة، كما قُصت أخباره في أماكن عديدة
دون ذكر اسمه، ونلحظ عنصر المستقبل فيما ورد عن آدم بوضوح في الحديث عن
عالم الملائكة السابق على وجود الإنسان، وقد حاورهم الله في خلق الإنسان
ليكون خليفة في الأرض فكان جوابهم التساؤل عن نتيجة مستقبلية متوقعة لديهم
هي الإفساد في الأرض وسفك الدماء((1 ))،لكن الله ربط الأمر بعلمه باعتبار
أن علم الملائكة لا يطال الغيب وأبطل تساؤلهم بتعليم آدم الأسماء الذي يمثل
معطى جديداً جهله الملائكة .
هذا المشهد إذ يعرضه القرآن إنما يحمل
دلالة كونية حول مستقبل الإنسان ومصيره، فشأن الإنسان إن لم يرتبط بهدي
الله أن يعبث بالكون من خلال الفساد (العبث بالطبيعة) وسفك الدماء (العبث
بحقوق الإنسان) ونظراً لخطورتهما من بين المنكرات قدمتهما الملائكة على
الكفر وجعلتا مقابل التسبيح لله وتقديسه، لكن الله الذي خلق الإنسان مكلفاً
وأعطاه ملكة العلم بأسماء الله إنما يرشده بذلك إلى كون العلم المرتبط به
تعالى هو الضامن لمستقبله وكأن الآية تشير إلى أن المستقبل ينبغي أن يتأسس
على العلم، فقد حدده الله قبل خلق الإنسان، في الإجابة على تساؤل الملائكة.
وفي
مقابل عنصر الأمان الذي يضمن مستقبل بني آدم أشار القرآن إلى موارد
الانزلاق إلى المهالك في المستقبل وذلك في سياق الحديث عن علاقة آدم بعالم
الجن وقد برز الحديث عنهم بعد خلق آدم  والأمر بالسجود له، فاستكبر إبليس
وظهر معه مفهوم الكفر والاستكبار المستند إلى مقاييس تعتبر الخيرية مرتبطة
بالطبيعة والمادة وأصل الخلقة  قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ
أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ
مِنْ طِينٍ [الأعراف:12] وقد تطور هذا الموقف بعد عقاب الله لإبليس
بالإحباط والطرد مع الصغار بتعهد إبليس بالغواية للإنسان إلى يوم القيامة،
قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ(13)قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ
يُبْعَثُونَ(14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ(15)قَالَ فَبِمَا
أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)ثُمَّ
لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ
أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ
شَاكِرِينَ(17)قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ
تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ(18)
(الأعراف) فحذر الله الإنسان من مخاطر إبليس في سعيه في مستقبل الأيام.
من
جهة أخرى فإن هبوط آدم من الجنة قد رافقه الهدي الإلهي لاستيضاح طريق
المستقبل مع تحذير من الابتعاد عنه ومصير ما يختاره الإنسان عاجلاً وآجلاً
قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا
يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا
يَشْقَى(123)وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124) قَالَ رَبِّ لِمَ
حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ
آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى(126)  [طه]،
فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(37)قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا
يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا
بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(39)
(البقرة)
ومن المهم أن نشير إلى أن الحديث عن آدم  لا يخص شخصه إنما
يقصد به الإنسانية كلها فمثلاً عندما أمر إبليس بالسجود لآدم وامتنع 
قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ
الْمُسْتَقِيمَ(16)ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ
خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ
أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17) [الأعراف] فضمائر الجمع وعلاماته يقصد بها
أبناء آدم  مما يشير إلى أن الأمر بالسجود وموقف إبليس لا يخص شخص آدم،
وهذا مما يوسع دلالات المفاهيم والمبادئ التي اشتملت عليها آيات القص عن
آدم وأبعادها المستقبلية.
فهبوط آدم  إلى الأرض يحمل هداية وذكراً
وآيات سترافق الإنسان إلى يوم القيامة وهنا يظهر مفهوم الآخرة والحساب
والجزاء(2 ) فيترافق أقدم ذكر للإنسان في عمق التاريخ مع آجل موعد له في
المصير والجزاء، وهذه دعوة إلى الاستحضار الدائم لطرفي الزمان الماضي بأقدم
لحظة فيه والمستقبل بآخر آفاقه التي لا يحاط بها، ليكون الحاضر صلة بينهما
ويتكئ الإنسان على أحدهما للعبور إلى الآخر.



المطلب الثاني
الظلم مؤشر انهيار الأمم
(دروس المستقبل في سياقات ذكر نوح )

تحظى
أخبار نوح  بحيز مهم من آيات القرآن فقد ورد ذكره ثلاثاً وأربعين مرة،
وفصلت أخباره في سور (الأعراف وهود والمؤمنون والشعراء والقمر ونوح)، ومما
تحدثت عنه الآيات التي ذكر فيها أهله وقومه ومصيرهم والتذكير بهم مقارنة مع
أقوام آخرين .
وكان قوم نوح قد توصلوا إلى معرفة أطوار خلق الإنسان إذ
استنكر نوح عليهم عدم الاعتبار بهذا العلم الدال على خالق واحد  مَا
لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا() وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا
[نوح:13-14]، كما تقدموا في علم الفضاء فخاطبهم نوح بعلمهم اليقيني
بالتركيب الفضائي  أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ
سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا[نوح:15] فالخطاب جمع بين معرفتهم ألم تروا وبين
فهمهم للكيفية، ثم يمتد الخطاب إلى ما هو أدق بالتمييز بين خصائص القمر
كمصدر للنور وخصائص الشمس كمصدر للضوء والحرارة  وَجَعَلَ الْقَمَرَ
فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا(16) ثم يحاورهم حول أصل
الإنسان  وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ نَبَاتًا(17) ، ففي هذا
الحوار دلالة واضحة على المستوى العلمي والحضاري الذي وصلت إليه الإنسانية
في عهده، لكن هذا التقدم العلمي لم يحل دون وقوعهم في الشرك والإلحاد
والطغيان الذي بلغ مداه، وترسم لنا الآيات القرآنية صورة للفساد العقدي
والأخلاقي الذي وصلوا إليه فقد شاعت بينهم عقلية الاستبداد وتقسيم الناس
حسب مكانتهم المادية وقربهم من الأشراف الذين يقابلهم المزدرون بالأعين(3 )
والأراذل كما سموهم وهم الذين اتبعوا نوحاً فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا
نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ
وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ
[هود:27]،  قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ
[الشعراء:111]، وفي هذا التعبير إشارة إلى مدى الحقد الذي يكنه هؤلاء
للضعفاء من قومهم، والظلم الذي كانوا يمارسونه عليهم حتى وصف القرآن قوم
نوح بالظلم سبع مرات((4 ))، وجمعوا من الإجرام ما استحقوا به وصف
السَّوء((5 )).
أما على المستوى العقدي فقد جسد قوم نوح ذروة الانحراف
عن فطرة التوحيد، وتتجلى مظاهر الانحراف العقدي عند قوم نوح في الشرك
وعبادة الأوثان التي سموها بأسماء خاصة((6 ))، مما استدعى وصفهم بالجهالة،
والعمى، والفسق(7 )، كما تكرر وصفهم بالكفر(8 )، ونظراً لهذا الانحراف جاءت
رسالة نوح  في نسق الدين السماوي الواحد الذي جاء الرسل ليقيموه(9 )،
وبالتالي فدعوة نوح  هي عمق للرسالة الخاتمة، حيث يلاحظ وجود تركيز قرآني
على الربط بين نوح ومحمد - عليهما السلام - وبين قومهما من حيث منهج الدعوة
والموقف منها، وفي هذا إشارة إلى الربط التاريخي بين الرسالات والناس وبين
الأفكار وآلية تلقيها وهو ما يمكن ملاحظته مع الرسل الآخرين، وفي هذا
إشارة إلى الدور الوظيفي للقصة في الخطاب القرآني من الناحية النفسية
والدعوية، فاستحضار شخصية نوح وقومه في القرآن يحمل دلالة للمتلقي ليربط
بين ماضي رسالة نوح ومصير قومه وحاضر رسالة محمد والموقف منها ليؤسس على
ذلك نظرته نحو مستقبل.
وبدوره بدأ نوح دعوته من حيث ما انتهى إليه
طغيان الإنسان وهو التأله(10 ) واستعباد البشر والاستكبار في الأرض فكانت
الدعوة إلى التوحيد هي مفتاح رسالته لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى
قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ
غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأعراف:59]،
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ
مُبِينٌ()أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ
عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيم [هود:25-26]، وإذا ذكر التوحيد فلا يستقل عنه ذكر
المستقبل والمصير فنبه إلى الآخرة والحساب والجزاء، فاقترنت الدعوة إلى
التوحيد بالتحذير من عذاب يوم عظيم وأليم يرجع فيه الناس إلى ربهم.
من
جهة أخرى تضمنت رسالة نوح تذكيراً بقوانين النجاح في المستقبل مع ربطه
بالإيمان فالتوبة والاستغفار كفيلة بضمان الرخاء المادي والعطاء الإلهي
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلِ
السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ
وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12) [نوح:10]
(11 ).
ويسجل القرآن للقارئ هنا درساً سننياً يصلح لكل عصر وزمان وهو
تحذير من مآل في المستقبل شبيه بمصير أتباع الرسالات، فقوم نوح كذبوه
وابتعدوا عن الحوار والتفكر إلى الجحود والكفر الذي توج بالظلم الذي بلغوا
به شأواً كبيراً مما استدعى إنقاذ الضعفاء وتسليط الطوفان الذي حسم سنين
طويلة من عنادهم، وفي هذه النهاية نلاحظ التركيز القرآني على صفة خاصة
بالمغرقين هي مفتاح العبرة للمستقبل هي الظلم وقيل بعداً للقوم
الظالمين[هود:44]، ..فأخذهم الطوفان وهم ظالمون [العنكبوت:14]، فَإِذَا
اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلْ الْحَمْدُ
لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون:28]،
وفي هذا دلالة هامة على مركزية العدل كمقصد أساسي من دعوة نوح، وتجسيد لسنة
إلهية في قيام الحضارات والأمم، وهو ما سيتكرر مع كل المستكبرين
والمعاندين، فدرس المؤمن هنا أن يعتبر بمآلات الظلم بأبعاده المختلفة ويحذر
منه في مستقبله لأن فيه انهيار الأمم.



المطلب الثالث
أهمية الأسوة ورمزية الزمان والمكان
(دروس المستقبل في سياقات ذكر إبراهيم )

تعتبر
شخصية إبراهيم  من أهم الشخصيات في التاريخ الديني، فالمشركون وأهل
الكتاب من اليهود والنصارى يعترفون بفضله ويتشرفون بالانتساب إليه(12 )،
وقد ورد ذكر إبراهيم  في القرآن تسعاً وستين مرة، وقد توزع ذكره في خمس
وعشرين سورة من القرآن الكريم، وكلها تؤكد على وحدة الرسالة الإلهية وذلك
من خلال الربط الزماني والمكاني والذري (نسبة إلى الذرية) بين القائمين
عليها وأقوامهم ومواقفهم ليؤول ذلك إلى تأكيد المضمون التوحيدي والفطري
للدين من خلال مفهوم الإسلام والحنيفية الذي توالى الأنبياء على تأكيده،
وقد حكى القرآن تفاصيل لمواقفه من قومه ودعوته لهم كلها بمثابة دروس وعبر
يستحضرها القرآن من التاريخ لتكون منهجاً للمستقبل من خلال الأسوة بإبراهيم
عليه السلام:
1 – التعليم الإبراهيمي ومنهج البحث عن الإله(13 ): في
سورة الأنعام [76-79] يحدثنا القرآن عن تعليم إبراهيم  منهج الاستدلال على
الخالق حين افترض ما يراه قومه صحيحاً من تأليه النجوم فسلم الأمر بربوبية
نجم معين لكنه أفل وتحول عن مكانه وغاب، فوسَّع الفرَض للقمر فلما كان
مصيره مصير النجم أعلن تمام الحيرة مستنجداً بالإله الحق أن يهديه فهو غير
مقتنع، وتسليمه بدعوى قومه إنما هو على سبيل الفرض، فلما تكرر نفس العَرض
للشمس توصل إلى أن الكواكب إنما هي مسيرة من إله لا يُسيَّر وما عبادتها
إلا شرك بالله فتبرأ منها وتوجه إلى الإله الذي فطر السماوات والأرض والذي
يسير هذه النجوم والكواكب، فكانت محاولته نقلاً لقومه من الطبيعة إلى
الشريعة، فكان إبراهيم  يبحث في ما وراء أسمى موضوعات علم الطبيعة في عصره
(الفلك) عن مبدأ يتعالى عليه، فاعتبار الآية الفلكية هو المرقاة إلى
تجاوزها(14 )، وهذا المنهج إذ يذكره القرآن إنما يعلمنا منهجاً للبحث
لاعتماده في المستقبل في تمحيص الدعاوى والحوار.
2 – موقف إبراهيم  من
عبادة الأصنام: بدأ بالنصح والموعظة لأبيه وقومه منوهاً بطبيعة ما يعبدون
ومرشداً إلى دلائل وحدانية الخالق، لكن هذا المنهج لم يفلح مع قومه الذين
استندوا إلى تقليد الآباء، فما كان من إبراهيم  إلا اتخاذ مسلك عملي
يستثير فيه عقولهم وإنسانيتهم، فلجأ إلى الأصنام يحطمها وينكسها مما استثار
حفيظة قومه الذين اعترفوا بعجز آلهتهم، وانتصروا لها وكادوا لإبراهيم الذي
نجاه الله من كيدهم(15 )، ولم يكن لديه من حيلة سوى التبرؤ من فعل قومه(16
).
لقد كان مسلك إبراهيم  مسلك الحريص على إمساك قومه مقود التفكير
الهادي الموصل إلى الحق والتوحيد، لكن رغم وصول رسالته إليهم كان العداء هو
سيد الموقف، في هذا المنهج الإبراهيمي تتجلى الدروس والعبر التي يمكن
استخلاصها من سيرة إبراهيم، فصلة القرابة لا تعصم الإنسان، والأمر بالمعروف
قد يكون لفظياً وقد يكون عملياً بحيث يثير الفكر والنظر نحو المراجعة
والتأمل، وعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتوقع السوء والأذى من
قومه وهاهو إبراهيم عليه السلام أسوة للعالم في ذلك .
3 – موقف إبراهيم 
من الطغيان والاستبداد : ثمة تلازم تاريخي بين الاستبداد والتأله أو صنع
الإله أو الدين الذي يعطي الشرعية للمستبد، ولم يكن من مسلك لمواجهة هذا
الظلم سوى كشف الغطاء الذي يتستر به واللجوء إلى تثوير العقل والتذكير
بالفطرة لمحاربة هذه الظاهرة، ولم يكن إبراهيم  بعيداً عن تحدي المستبدين
الذين تألهوا فجابههم بما ادعوه من إحياء الموتى في مغالطة واضحة لكن
إبراهيم  تحدى الملِك بحجة كونية معرضاً عن كشف زيف الأولى وطلب منه قلب
النظام الكوني وتحويل مسار الشمس فبهت الذي كفر(17 )، في هذه المشاهد من
حياة إبراهيم  تتضح لنا دعوة التوحيد كما عاشها وكافح من أجلها وتعرض
للأذى، لتكون بذلك مواساة لكل الدعاة في كل زمان ولتؤخذ عبرة لديهم في
المستقبل عندما تصدم الدعوة بمواقف الناس.
5- الحج .. والتطلع إلى
المستقبل وربطه بالمكان: لقد كلف الله إبراهيم وولده إسماعيل –عليهما
السلام- ببناء البيت(18 )، فرفعا القواعد منه سائلين الله أن يتقبل منهما
وأن يحعلهما مسلمين داعين لذريتهما أن يبعث فيهم نبياً يعلمهم الكتاب
والحكمة ويزكيهم في إشارة إلى المستقبل حول هذا البيت، وبعد إعمار البيت
وتطهيره جاءت دعوة إبراهيم  لربط العالم بهذا المكان((19 ))، من خلال
فريضة الحج التي ربطت المؤمنين بالمكان كرمز للوحدة والتوجه، ففريضة الحج
تربط الناس بين أطراف الزمان ومن خلال المكان الذي يشهد على رسالة إبراهيم 
وشهد ختم الرسالات، ويستحضر المسلمون من خلال الحج هذا التاريخ الرسالي
وما تحمله رمزية نسكه من دلالات وهدي في بناء المستقبل.


تابع ...


<br>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.www.pub-web.co.cc
محمد بولفرى
المـديـر العـــام
المـديـر العـــام
avatar

الجنس الجنس :
البلــــــــــــد البلــــــــــــد :
نسخة المنتدى نسخة المنتدى :
نوع المتصفح :
العمل أو الترفيه :
كيف تعرفت علينا كيف تعرفت علينا : كوكل
عدد المساهمات عدد المساهمات : 394
رصيد الكاتل رصيد الكاتل : 20064
سمعة العضو في المنتدى سمعة العضو في المنتدى : 18
عمر العضو عمر العضو : 23
الأوسمة :
احترام قانون المنتدى احترام قانون المنتدى :

مُساهمةموضوع: رد: ¨°o.O (حصريــ) O.o°¨أثر الوعي ــــا ~*¤ô§ô¤*~التاريخ في بناء المستقبل~*¤ô§ô¤*~دراسة قرآنية ذكر الأنبياء نموذجاً   الخميس يوليو 28, 2011 10:54 am

المطلب الرابع
المستقبل من خلال سنة الله في الأقوام
(دروس المستقبل في سياقات ذكر الرسل الآخرين–عليهم السلام- وأقوامهم)

-
السنة الإلهية في رسالات هود وصالح و لوط وشعيب –عليهم السلام-: حفل
القرآن الكريم بذكر أقوام اختصوا برسالات وأنبياء اقترن ذكرهم بذكر
أقوامهم، وتم التذكير بمصيرهم في آيات عديدة، كما عُرف بعض رسلهم بأنهم من
أنبياء العرب(20 )، وقد وردت أخبارهم والتذكير بهم في آيات متتالية في سور
معظمها مكي، وقد انفرد القرآن بذكر بعضهم فلم يرد عنهم شيء في التوراة(21
)، كما ورد ذكر الأقوام ومصيرهم أكثر من ذكر أنبيائهم، وهم هود نبي عاد
وصالح نبي ثمود، ولوط وقومه، وشعيب نبي أهل المدائن أصحاب الأيكة، وسنحاول
أن نستعرض ذكر كل منهم في القرآن لنخلص إلى الدلالات المستقبلية من خلال ما
ورد عنهم:
رسالة هود  إلى قومه عاد : تناولت الآيات التي ذكر فيها هود
 التذكير بدعوته قومه إلى التوحيد والتقوى وعبادة الله ونهيهم عن الطغيان
والاستبداد وتذكيرهم بنعم الله عليهم وتحذيرهم من عذابه، كما بينت موقف
قومه وتقليدهم الآباء وتحديهم تهديد هود  لهم بعذاب الله إلى أن حاق بهم،
وقد وردت هذه التفاصيل في آيات متوالية(22 )، أما الحديث عن قوم عاد فقد
ورد في معظمه تذكيراً بالمصير السيء الذي آلوا إليه بعد أن كانوا ينعمون
بالرفاه والعز وبعد أن تمكنوا في الأرض وعمروا البنيان وأشادوا المصانع
وتجبروا في الحكم دون أن ينفع ذلك في الحيلولة دون عذاب الله(23 ).
ولدى
التأمل في الآيات نجد أن بيئة قوم عاد قد تميزت بالبنيان والعمارة التي
وصفت في القرآن بأنها آية للدلالة على عظمتها وطابع الرفاه والإسراف فيها،
وكما أن الصناعة كانت متقدمة إلى درجة التخطيط فيها للمستقبل، كل ذلك
التقدم المادي قد رافقه تخلف خلقي وظلم اجتماعي واستبداد سياسي فكان البطش
بالعباد واستغلالهم والتجبر عليهم(24 )، ثم آل طغيانهم إلى الهلاك فلم
يفلحوا في الاستخلاف فكانت سنة الله معهم هي أن الله يهيئ للناس أسباب
الرقي في الحياة ويسخر لهم ما في الأرض على أن يعبدوه ويقيموا العدل بين
الناس ويحققوا الخلافة في الأرض فإن لم يحققوا شرطي المعادلة المادي
والروحي آلت حضارتهم إلى الزوال والهلاك، فذلك ما حصل مع قوم نوح وهاهو هود
 يذكر قومه باستخلافهم بعد قوم نوح :وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ
خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ[الأعراف:69]، ويؤكد لهم أن هذا
الاستخلاف مشروط بالارتباط برسالة الله وإلا سيكون المصير كمصير من
جحدوافَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ
إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ
شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ[هود:57]، فالآيات صريحة
في بيان أفق الرسالة الإلهية التي أؤتيها قوم عاد فجحدوا الرسل الذين
جاءوهم، فختمت برسالة هود قصة طغيان عاد كما كانت القصة مع قوم نوح: رخاء
مادي فطغيان وجحود فتدخل إلهي ينهي مرحلتهم ليستخلف غيرهم .
فسياق
الحديث عن عاد إنما يمثل درساً للعبرة والمستقبل من خلال عرض سنة الله في
الأمم التي تطغى مادياً ويسودها الظلم والتكبر وبيان عوامل استمرار التقدم
المادي والحيد به عن الطغيان وذلك بربطه بالجانب الروحي والخلقي(25 )، ومن
خلال عرض القرآن لهذا النموذج السنني نلحظ تكرر معالم الرسالة الإلهية على
لسان هود، والتي بدأت بالتوحيد والأمر بعبادة الله وتقواه، وتذكير الناس
بفطرتهم وشكر الله على ما أوتوه من نعم، ودعوتهم إلى التوبة والاستغفار
وتحذيرهم من عذاب الله في الدنيا والآخرة، نموذج حواري يتكرر مع كل الرسل،
كما هو الشأن بالنسبة للمصير، فمثل موقف قوم نوح ومختلف الرسل يتكرر موقف
عاد من رسالة هود  وذلك بالكفر وتقليد الآباء، والجحود والتحدي وطلب
الآيات من الرسل، وكذلك يتكرر المصير نفسه بزوال القوم واستخلاف غيرهم،
فقوم عاد استخلفوا بعد قوم نوح فتولوا عن رسالة الله فاستخلف الله من بعدهم
ثمود .
رسالة صالح  إلى قومه ثمود : تناولت الآيات التي ذكر فيها
التذكير بدعوته قومه إلى التوحيد وعبادة الله ونهيهم عن الطغيان والاستبداد
وتذكيرهم بنعم الله عليهم وتحذيرهم من عذابه، كما بينت موقف قومه منه
وكفرهم بما جاء به وتقليدهم الآباء، والعناد وطلبهم الآيات إلى أن حاق بهم
عذاب الله، وقد وردت هذه التفاصيل في آيات متوالية(26 )، أما الحديث عن قوم
ثمود فقد ورد في معظمه تذكيراً بتكذيبهم الرسل وبالمصير الذي آلوا إليه(27
)، ويلاحظ في الحديث عن صالح  وقومه ثمود التشابه والاقتران مع الحديث عن
هود  وقومه عاد وقبلهم قوم نوح(28 )، وذلك في سياق الحديث عن الأقوام
التي انحرفت عن الرسالة الإلهية وآلت إلى الزوال بعد تاريخ من الحضارة،
فجاء صالح  مكملاً لرسالة نوح وهود –عليهما السلام- مذكراً قومه باستخلاف
الله لهم من بعد عاد(29 )، فالتطور في عصر نوح  توج بتقدم صناعي ترمز إليه
السفينة، وقد ورث هذا التطور العاديون فطوروا الصناعة والعمارة التي ضرب
بها المثل، ثم جاء الثموديون فطوروا العمارة واستخدموا النحت في الجبال
وبنوا القصور في السهول فجمعوا بين الحضارة الصناعية والزراعية التي كان
ابتلاء الله لهم من جنسها/الناقة والشِّرب، وآل عصيانهم بعد طلبها إلى حلول
العذاب بهم.
وكأن الآيات حول صالح  وقومه ثمود تتابع التأكيد على
السنة الإلهية في الاستخلاف في الأرض الذي يشكل محور الرسالة الإلهية عبر
التاريخ، وذلك للاعتبار والحذر في المستقبل من الوقوع في مظالمهم والأيلولة
إلى مصيرهم، وما قوم نوح وهود وصالح إلا نماذج متتالية تؤكد أن التقدم
المادي مهما بلغ وتراكم من حضارة إلى أخرى لن يكون كافياً لسعادة الإنسان
ورقيه ولا بد له من ارتباط بالإلهي ليضمن استمرار الحضارة ورقيها وإلا
سيكون مصيرها إلى زوال.
رسالة لوط  إلى قومه : ورد ذكر لوط  في القرآن
سبعاً وعشرين مرة، بعضها في سياق ذكر بعض الأنبياء والتذكير بهم(30 )،
لاسيما مع إبراهيم الذي عاصره لوط وآمن به، وبعضها في إطار متابعة الحديث
عن أقوام عاد وثمود، وتتميز التفاصيل التي وردت عن لوط  باختصاصها بالحديث
عن مشكلة مركزية في قومه هي الانحراف الأخلاقي الذي تمثل في الشذوذ الجنسي
الذي لم يسبقوا إليه مما أدى إلى هلاكهم(31 )، حتى أصبحوا مثلاً يضرب
لعاقبة الجحود والطغيان(32 ). ويبدو المقصد من سياق القص عن لوط  واضحاً،
فكان انحرافهم أخلاقياًً، فأرسل لوط لتقويم سلوكهم(33 )، ويتضح من مواضع
ذكر أخباره مع قومه في القرآن متابعة التأكيد على السنة الإلهية في
التاريخ، فبعد الحديث عن قوم عاد وثمود يأتي الحديث عن قوم لوط، وذلك
لتأكيد أن الانحراف عن الرسالة الإلهية سيؤول بأصحابه إلى الزوال مهما كان
نوع هذا الانحراف، فهي نموذج آخر لعلاقة الأقوام مع الرسالات، وذلك من أجل
العبرة والحذر من مصير مشابه في المستقبل لمن يرتكب مثل الذي أدى إلى
هلاكهم.
رسالة شعيب  إلى أهل المدائن وأصحاب الأيكة (34 ): ورد ذكر
شعيب  في القرآن إحدى عشرة مرة كلها في سياق قص أخباره وتفصيلها وجاءت بعد
الحديث عمن سبقه من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط، وكان يذكِّر قومه بهم(35
)، وكانت دعوته تكرر ما جاء به الرسل قبله من أسس الرسالة الإلهية
المتعلقة بالتوحيد وعبادة الله وتقواه والتذكير بالآخرة والدعوة للتوبة
والاستغفار..، وكان لموقع مدين الجغرافي والوظيفة التجارية التي كانت تقوم
بها على طرق التجارة(36 ) خصوصية جعلت دعوة شعيب  تركز بشكل أساسي على
الانحراف في الجانب الاقتصادي المتمثل في تطفيف المكيال والميزان وبخس
الناس أشياءهم والإفساد في الأرض، فضلاً عن الانحراف العقدي الذي لم يقتصر
على الكفر إنما قاموا بالصد عن سبيل الله وتهديد شعيب بالإخراج من بلده
ومحاولة إكراهه على الكفر وإرجاعه إلى ملتهم، حول هذه القضايا تمحورت
الآيات التي ورد فيها ذكر شعيب وقومه(37 ).
فلما طغى في أهل مدين
الانحراف في تعاملهم التجاري جاءت رسالة شعيب  لتعود بهم إلى البعد الروحي
في التعامل الاقتصادي ولتؤكد أن الاستخلاف والقيام بأمر الدنيا لا يمكن أن
يستمر من غير وصلها بالقيم والمبادئ، واستشهد لهم شعيب  بسنة الله مع من
سبقهم، فالرسالة الشعيبية تأتي في القرآن تتميماً لنماذج السنة الإلهية في
الأقوام والتي عرضت لجحود الرسالة الإلهية كلياً أو جزئياً في أبعادها
السياسية والاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية، وكأن هذه الرسالات في إطارها
النموذجي/القصصي، الكونية في مضمونها إنما تعرض نسق الرسالة الإلهية الكلي
وتفاصيله عبر التاريخ لترشد إلى المستقبل، وتؤكد على شمولية الرسالة
الإلهية لجميع شؤون الحياة وأن الانحراف في بعض أجزائها التفصيلية كان
سبباً في انتهاء استخلاف القوم واستبدالهم بآخرين، ومن ناحية أخرى نجد في
حوار الرسل مع أقوامهم توظيف التاريخ في الدعوة بتنبيه الأقوام إلى مصير من
سبقهم ليعتبروا في حاضرهم وينتبهوا إلى مستقبلهم الذي ذكروهم بنهايته
المتمثلة بالآخرة والحساب.

- ذكر إسماعيل واسحق ويعقوب –عليهم
السلام-: يتمحور ذكرهم في القرآن حول شخصية أبيهم إبراهيم ، فقد منَّ الله
على إبراهيم  بهم بدءاً بالبشارة والهداية والمباركة عليهم وجعل النبوة
والكتاب في ذريتهم(38 )، ويتتابع ذكرهم في آيات أخرى لتأكيد ما ورد في حق
إبراهيم  من حيث انتماؤه إلى الدين الحق وانتسابه إلى الإسلام، وكذلك
أبناؤه يتجهون للمستقبل ويوصون أبناءهم بالإسلام وأبناؤهم ينسبون الإسلام
إلى آبائهم(39 )، ويؤمر أتباع الرسالة الخاتمة بالإيمان بما أؤتي إبراهيم
وأبناؤه إسماعيل وإسحاق ويعقوب –عيهم السلام-(40 ) وذلك وصلاً بين الماضي
والحاضر، وينفي القرآن التصنيف الطائفي اليهودي أو النصراني لإبراهيم
وأبنائه(41 )، ويؤكد على وحدة الوحي إلى نوح وإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وغيرهم(42 )، فهم فريق من مجموع الأنبياء الذين
ورد ذكرهم مجموعين في آيات من القرآن(43 )، ويختص إسماعيل  بتكليفه مع
أبيه إبراهيم  ببناء البيت والقيام برفع قواعده ودعائهما لأهله وأن يبعث
الله فيهم نبياً(44 )، ويذكر القرآن بصدقه الوعد ونبوته ورسالته(45 )،
يينما يختص ذكر يعقوب  بتوصية بنيه في طريقة الدخول على ملك مصر في قصة
يوسف(46 )، وبدعاء زكريا أن يهبه الله ولداً يرثه ويرث من آل يعقوب(47 )،
وواضح من خلال السياقات التي ورد فيها ذكرهم أنها تأتي لتأكيد وحدة نسق
الرسالة الإلهية التي ربط القرآن بين مختلف تجلياتها عبر التاريخ.
- ذكر
يوسف  : ورد ذكر يوسف  في القرآن سبعاً وعشرين مرة ويكتسب ذكره خصوصية
عن غيره من الأنبياء إذ ورد القص عنه متكاملاً وفي سياق واحد في سورة واحدة
حملت اسمه، ولم يرد ذكره في غيرها إلا في موضعين الأول يؤكد انتساب يوسف
إلى ذرية نوح (48 )، والموضع الثاني في إطار تذكير مؤمن آل فرعون قومه
ببعثة يوسف إليهم قبل موسى وتذكيرهم بما جاء به(49 )، أما ما ورد عن يوسف 
في قصته في سورة يوسف فهو يسير بتسلسل بدءاً من رؤيا يوسف وهو صغير وتبشير
والده بإتمام نعمة الله عليه وعلى أبويه إبراهيم واسحق [الآيات: 4-6] ثم
يأتي ذكر حسد إخوته له وكيدهم به [7-18] ثم انتقاله من الجب إلى بيت الملك
[19-22] ثم يأتي ذكر فتنة امرأة العزيز والقصة مع النساء [23-35] ويؤول
الأمر به إلى السجن [36-42] أين سيبدأ الدعوة مؤكداً براءته من ملة الكفر
وانتسابه إلى ملة التوحيد والإيمان بالله ملة إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ويدعو
محدثيه ويحاورهم في قضية الإله وضرورة توحيده وعبادته وأن ذلك هو الدين
القيم، ومن خلال تأويله الرؤيا لأصحابه في السجن يصل خبره إلى الملك بعد أن
يرى رؤيا يعجز من حوله عن تأويلها ويؤولها يوسف [الآيات:43-55]، ومن خلال
ذلك الموقف يخرج يوسف من السجن ويمكِّن الله له في الأرض وتعاد قصته مع
إخوته لكن هذه المرة من طرفه إذ يتم فيها تذكيرهم بما فعلوه ويستدعي والديه
ومن ثم تأويل رؤياه عندما كان صغيراً [الآيات:56-101] .
هذه المشاهد
التي وردت عن يوسف  تتضمن أسس الرسالة الإلهية ومضامينها من دعوة إلى
التوحيد وعبادة الله، كما تضمنت جوانب من صراع الإنسان في الحياة من أجل
القيم العليا التي تفرضها الفطرة والدين، فنجد في القصة الحديث عن العلاقة
الأسرية والعائلية بوجهها الإيجابي/بر الوالدين والإخوة، ووجهها
السلبي/العقوق والحسد والمكر، وكذلك نجد الحديث عن العفة والحصانة
الأخلاقية والوفاء لأهل الإحسان والوجه المقابل لذلك الخيانة وإتباع
الشهوات والإكراه على المعاصي، وفي السجن نجد ممارسة يوسف  للنصح والحوار
والإرشاد حتى في الظروف القاسية، وعند نجاته من السجن نجد الأخذ بأسباب
الحياة والنهوض بالمجتمع بمجالاته المختلفة من خلال التخطيط للمستقبل على
المستوى الاقتصادي والسياسي وإقامة العدل بين الناس، وفي هذا المشهد يظهر
درس آخر هو خلق العفو والصفح وعدم الاغترار بالمال والملك .. فيعيد يوسف 
شمل العائلة رغم ما فعله به إخوته .
فإذا لاحظنا في قصة يوسف  بعدها
المتكامل لحياة رسول عاش كواحد من الناس في ظروف مختلفة تعرض فيها لمختلف
الاحتمالات في حياته وفي قيمه واستطاع فيها كبشر أن يحافظ على البعد الروحي
للرسالة التي يحملها والتي وصفها بالدين القيم، يمكننا أن نعتبرها نموذجاً
حياً لما تبغيه رسالة الله من الإنسان أن يكون عليه، لاسيما وقد وصف
القرآن قصته بأحسن القصص، فهي نموذج في منهج الرسالة ومضمونها العقدي
والأخلاقي، وبالخصوص ما ذكره القرآن عن وعي يوسف عليه السلام بأهمية
المستقبل والتخطيط له، بل إن كل شي في قصة يوسف هو دعوة للاعتبار والأسوة
من أجل مستقبل أكثر وعياً وسلامة .

- ذكر إدريس وإلياس واليسع وذي
الكفل –عليهم السلام-: ورد ذكر كل من الأنبياء المذكورين مرتين في القرآن
في آيات مختلفة(50 )، وكل موارد ذكرهم تأتي في سياق ذكر عدد من الأنبياء
الذين عددهم القرآن واصفاً مواقفهم وصبرهم وكونهم من الأخيار الذين هداهم
الله وأمر باتباعهم(51 )، وعنصر المستقبل في ذكرهم يتجلى من حديثهم عن
الآخرة وربط الرسالة الخاتمة بهم لاستحضار العمق التاريخي للدين الحق وما
لهذا العمق من أثر في رسوخ الرسالة في النفوس.

- ذكر أيوب ويونس
–عليهما السلام- : ورد ذكر أيوب  بما تميز به من صبر على البلاء حتى اعتبر
نموذجاً فيه(52 )، وما رافق هذا الصبر من لجوء إلى الله وعناية الله به
وما وهبه له من عناية من قبل أهله وزوجه، مع الإشارة إلى الشيطان والشر
وأثره على الإنسان، والغرض من قصها كما هو واضح عرض نموذج لما ينبغي أن
يكون عليه الإنسان في مواجهة المصائب والابتلاء، وضرورة التحلي بالصبر
والأخذ بالأسباب، وفي ذلك تمثل لخلق نبيل كرسته الرسالة الإلهية عبر
التاريخ وكان أيوب  بما هو بشر متلق لهذه الرسالة نموذجاً لذلك. أما يونس 
فقد ورد في القرآن تركيز على موقفه من قومه الذي تمثل في سرعة غضبه
وإعراضه عنهم مما أدى إلى امتحان الله له كما في قصته مع الحوت ونجاته من
الظلمات عندما التجأ إلى الله ودعاه تائباً فقبله الله وأرسله ثانية إلى
قومه فآمنوا به وتمتعوا بالحياة .
ومن خلال هذا المشهد الخاص نلحظ
الآيات تعطي نموذجاً ليونس الغضوب المتعجل مقابلاً لنموذج أيوب الصابر
المحتسب، وهما صفتان لا يخلو منهما الإنسان، وبلحظ البعد الروحي والمنهج
الرسالي يمكن للإنسان أن ينال خير المآلين فالصبر لا يؤول بصاحبه إلا إلى
الخير وأما الغضب فيمكن للإنسان أن يتدارك نفسه ويرجع إلى الله ويعترف
بخطئه وبالتالي يتجاوز العقبة التي أورثها غضبه وخبر يونس  يمثل هذا
النموذج، وفي كلا الخبرين عن يونس وأيوب –عليهما السلام- كان جانب من شخصية
كل منهما هو المركز في سياق ذكرهما مع التأكيد على كونهما من المرسلين مما
يحمل دلالة على دور الرسالة الإلهية والبعد الروحي في حياة الإنسان وتقويم
سلوكه وتجاوزه للأخطاء التي قد يورطه فيها طبعه عن قصد أو بغيره، وبهذا
البعد نفهم الحكمة من ذكرهما والدرس الذي يمكن أن يستفيده الإنسان في حاضره
ومستقبله في تعامله مع الأشياء.

لقد كان حديث القرآن عن شخصيات
الأنبياء أو أقوامهم ليكونوا قدوة للأمم والأفراد أو عبرة ودرساً للمستقبل،
وفي دعوة موسى  سنجد تفصيلاً لكلا البعدين، أعنى شخصية موسى وقومه معاً
والرابط بينهما هو رسالة الله التي سنبحث دلالاتها والعبر فيها .



المطلب الخامس
استحضار التاريخ استعداداً للمستقبل
(دروس المستقبل في ذكر موسى  ومن بعده )

تحتل
شخصية موسى  مساحة مهمة في القرآن الكريم فقد ورد اسمه:136 مرة، فهو أكثر
الأنبياء ذكراً في القرآن، ويتكرر حديث القرآن عن مرحلة الوحي والنبوة من
حياته، والصراع مع فرعون، في ظروف كان موسى  أعرف الناس بها عندما نشأ
طفلاً في بلاط فرعون في بيئة أصبح الظلم والاستبداد والطغيان عنوانها
الأبرز(53 ) .
وقد حمل موسى الرسالة إلى فرعون -كما هو منهج الرسل –
محاوراً فرعون ومن معه مذكراً إياهم بتوحيد الله ربهم ورب آبائهم ورب
المشرق والمغرب وما بينهما(54 )، داعياً إياهم إلى التفكير في الخالق من
خلال التاريخ والجغرافيا والماضي والحاضر قبل أن ينتقل بهم إلى البينة
الخاصة التي أيده الله بها والتي تحمل دلالة على صحة كونه رسولاً من
الله(55 )، مما كان له أثر في إيمان فريق من أتباع فرعون، ويتبع هذا الموقف
ما يتبعه من تحد آلَ بفرعون إلى الغرق، فكانت رسالة موسى  في مواجهة
طغيان فرعون مباشِرة حيث بدأ معه من قمة الطغيان الذي وصل إليه، فكما مر
معنا في دعوة نوح وإبراهيم –عليهما السلام- عندما يستشري الظلم ويطغى
الاستبداد فإن العودة إلى قضية الوجود والتذكير بالقوة المطلقة والدعوة
للتوحيد هي المنطلق لمواجهة الطغاة، وقد فصَّل القرآن هذا الحدث الحواري
بين موسى وهارون –عليهما السلام- من جهة وبين فرعون، وبطبيعة الحال فإن
قضية التوحيد لا تنفصل عنها الإيمان بالمستقبل والمصير الأخير (البعث
والحساب) الفكرة التي عبر عنها من آمن من سحرة فرعون والتي زادتهم ثقة
وشجاعة في مواجهة تهديد فرعون[الأعراف:125]، والمحور الثاني الذي ركز عليه
موسى في دعوة فرعون هو تحرير بني إسرائيل وتمكينهم من الاستجابة لرسالته
وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ
الْعَالَمِينَ()حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا
الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِي
بَنِي إِسْرَائِيلَ [الأعراف:105](56 ).
لكن رسالة موسى ستأخذ بعداً
أكثر تفصيلاً مع أتباعه ممن آمن معه ومع بني إسرائيل الذين خصهم القرآن
بتفاصيل هي بدورها في صلب رسالة موسى، فبعد أن أنقذ الله موسى  وبني
إسرائيل من فرعون بدأ موسى  رحلة جديدة في دعوته مع قومه بدأت مباشرة بعد
الخروج من اليم وغرق فرعون إذ كان تكليم الله له وتلقي الألواح التي تتضمن
مواعظ وتفصيلاً لكل شيء مما كلف به بنو إسرائيل(57 )، وفي فترة التكليم هذه
والتي استخلف فيها موسى  أخاه هارون على قومه بدأت معاناة موسى مع بني
إسرائيل الذين نسوا التوحيد وعادوا إلى الوثنية(58 )، لكن موسى  تدارك
الأمر واستغفر لقومه وطلب الرحمة من الله معلناً أن قومه هادوا ورجعوا إلى
الله، وجاء وعد الله بالرحمة للمتقين والمؤتين الزكاة والمؤمنين بآيات
الله(59 )، لكن مع ذلك تتتابع معاناة موسى مع قومه باحتيالهم على ما كلفوا
به وأخذهم ببعض الكتاب وترك بعضه الآخر(60 ).
موسى  مع بني إسرائيل :
لئن كانت دعوة موسى  إلى فرعون تركزت مباشرة على قضية التوحيد وتحرير
المضطهدين الذين يكابدون ظلم فرعون وفتنته(61 )، فإن دعوة موسى  إلى قومه
ستتركز على محورين أساسيين الأول: إخراجهم مما هم فيه وتمكينهم من الحرية
التي تؤهلهم للهدف الثاني من رسالة موسى وهو استئناف تاريخهم الرسالي وهو
ما عبرت عنه الآية: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ
أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ
بِأَيَّامِ اللَّهِ[إبراهيم:5]، فنجد هنا أن المسؤولية المستقبلية التي
كلفوا بها قد تأسست على الوعي بالتاريخ واستحضار أيام الله، واستئناف
الماضي، وتذكر نعم الله عليهم:وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ
اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ
وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنْ
الْعَالَمِينَ [المائدة:20]، وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا
نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ
وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ
عَظِيمٌ [إبراهيم:6]، فأراد موسى أن يبعث في بني إسرائيل تاريخهم الذي
نسوه والذي فضلهم الله فيه بفضائل لم تتوفر لغيرهم، فذكرهم أن دعوته ليست
بدعاً، فهم قوم نسبوا إلى الأنبياء فلهم تاريخ رسالي وعندهم جذور عقدية
وتشريعية فهم أَولى من ينبغي أن يعرف فضل الله ونعمه عليهم التي بدأت
بالنبوة والكتاب(62 )، وتستمر معهم بإنقاذهم من بطش فرعون وتحريرهم ليشرعوا
في حياة جديدة، وتتوالى عليهم النعم لكن الجحود هو المسيطر عليهم(63 )،
مما عجل في غضب الله عليهم فكان الأمر الإلهي بإجبارهم على قبول التعاليم
والوفاء بالميثاق وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ
الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:63].
ونجد القرآن يجعل رسالة موسى في
نسق الدين الواحد والتعاليم المشتركة التي شرعها الله لهم(64 )، ووحي
متشابه لجميع الأنبياء بما فيهم موسى(65 )، فهو دين واحد تكرر الحديث عنه
وأمر بإقامته من قبل الجميع، وفي ذلك ربط مزدوج بين الحاضر وماضي الرسالات
وبين المستقبل.

- ذكر داود وسليمان ، عليهما السلام : ورد ذكر داود
وسليمان-عليهما السلام- في القرآن متتالياً باعتبار اشتراكهما في النبوة
والملك، ومن العبر التي يمكن استخلاصها من الحديث عنهما، أهمية العدل ومنع
الإفساد في الأرض، نجد ذلك في ذلك في ذكر قتل داود  لجالوت المفسد في
الأرض(66 )، وعند حديث القرآن عن خلافة داود  وأمر الله له بالحكم بين
الناس بالعدل، وفي هذا من الحكمة والسنن الإلهية ما يرشد المسلم في حياته
وسلوكه وتطلعه إلى مستقبل أفضل.

- ذكر زكريا ويحيى، عليهما السلام:
ورد ذكر زكريا ويحيى–عليهما السلام- كنبيين من بين الأنبياء والصالحين وخص
من أخبارهما ما فيه درس وعبرة للمتدبر ليستفيد منه وهو نموذج متجسد للعناية
والقدرة الإلهية من خلال إكرام الله لزكريا وإظهار قدرته بمولد يحيى،
وعلاقة زكريا بمريم، فالأمل بالنسبة للمسلم ينبغي أن يبقى مفتوحاً مرتبطاً
بالإيمان وقدرة الله، وهذا الأمل هو مفتاح الطموح بالمستقبل.


المطلب السادس
البشرى بخاتم الأنبياء والتحذير من تحريف الرسالات
(دروس المستقبل في ذكر عيسى )

يعتبر
عيسى  خاتمة عقد الأنبياء السابقين الذين تحدث عنهم القرآن، ويصل مجمل
ذكر عيسى  باسمه ونسبه ووصفه من غير تكرار 35 مرة، ويطغى على الآيات
التأكيد بشرية عيسى  والنفي الحاسم للتصور الذي ساد من بعده حول ألوهية
المسيح بأي صيغة كانت(67 )، وتختص دعوة عيسى بالربط المباشر بين ماضي
الرسالات ومستقبلها حيث ختمها عبر رسول بشر به، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ
إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ
وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا
جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [الصف:6] فأهم ما
جاء به عيسى هو التصديق للتوراة، ويلاحظ في الخطاب القرآني حول عيسى 
تركيزه على السياق الرسالي التاريخي الذي تتنزل فيه دعوة عيسى بين مختلف
الرسل الذين أرسلهم الله قبله مع ربط بالرسول الخاتم  ، وفي هذا إشارة
لقومه إلى أثر الماضي في بناء المستقبل الآتي، فدعوة عيسى  تمثل مرحلة
انتقالية في الرسالة الإلهية فهي تستعيد تاريخ الأنبياء وتختم مشروعهم في
تأهيل الإنسان لتلقي التعاليم النهائية قي الرسالة الخاتمة.
وكما هو
الحال مع دعوة موسى  ستأخذ دعوة عيسى من بعده بعداً جديداً وذلك
لاقترانها بكتاب خاص سيكون محوراً يساعد على تمركز الفكر الديني من بعده،
وستتحول الرسالة العيسوية إلى دين جديد يقطع مع الرسالة العيسوية ويستخدم
رموزها وشخصيتها، كما يقطع مع اليهودية دون أن يقطع مع كتابها التوراة،
وستعرف هذه الديانة بالنصرانية أو المسيحية.
وفي هذه الإشارة إلى التحول
عن رسالته دعوة للعبرة والعظة من أجل المستقبل ليحذر المؤمنون من مواقف
شبيهة من الرسول أو الرسالة، وإذا أردنا تتبع هذا التحول كما يعرضه القرآن
وما ظهر في الدين الجديد من رؤى نجد أن الكفر بدعوة عيسى  والمكر له بدأ
من اللحظات الأولى لدعوته(68 )، وما إن حاول اليهود المكر به جمع عيسى  من
يمكن أن يناصره من حوارييه(69 ) لكن لم يفلحوا في الحيلولة دون مكر اليهود
فكانت العناية الإلهية برفع عيسى  من بينهم(70 )، ولعل هذه الحادثة كان
لها الأثر في تحول أتباع عيسى  وتحويرهم في دعوته بما كرسوه من تصورات حول
شخصية المسيح التي اختلفوا فيها فكان تأليه عيسى وأمه(71 )، وادعاء البنوة
بينه وبين الله(72 )، والقول بالتثليث(73 )، وكانت الآيات صريحة في تكفير
من ساوى بين الله وعيسى (74 )، وبما أن هذا التحول ظهر على أيدي النخبة من
الأحبار والرهبان فقد اصطنعوا لنفسهم دوراً ومكاناً في الدين وأصبحوا
أرباباً مع المسيح(75 )، ونشأت بذلك طبقة من رجال الدين سيصوغون التعاليم
التي ستميز الديانة اللاحقة، فذكر القرآن هذه الطبقة من رجال الدين مع ذم
دورها ليحذر المسلمون من الوصاية على الناس باسم الله، أو يخلقوا وسائط بين
العبد وربه.
وسيجد أتباع عيسى  من بعده أنفسهم أمام تحد جديد يتمثل في
مجابهة دين سابق عليهم وهو أساس ديانتهم، مما سيجعلهم في صراع مع اليهود
وتنازع لادعاء امتلاك الحقائق، فستتكرر مع النصارى دعاوى اليهود فهم أبناء
الله وأحباؤه(76 )، ولن يدخل الجنة إلا النصارى(77 )، واليهود ليسوا على
شيء(78 )، والهداية محصورة مع النصارى(79 )، حتى اشترطوا على الرسول الخاتم
إتباع ملتهم(80 )، والأنبياء إبراهيم  ومن بعده كانوا نصارى(81 )، هذا
على الصعيد العقدي أما على الصُّعد الأخرى فنجد القرآن يشير إلى الانحراف
الذي طرأ على الجانب الروحي والمتمثل بالرهبانية التي ابتدعوها والتي كان
مقصدهم بها التقرب إلى الله ولكن دون مراعاة فطرية الدين الذي جاء به
الرسل(82 ) .
وقد حفلت الآيات القرآنية في نقد هذه الدعاوى التي
أوردوها، فالنجاة لا تختص بطائفة معينة إنما ترتبط بالإيمان والعمل
الصالح(83 )، وإبراهيم لم يكن طائفياً لا يهودياً ولا نصرانياً إنما كان
حنيفاً مسلماً لله(74 )، وما ورد ذكره من انحراف عقدي في تصور شخصية المسيح
إنما ورد في سياق نقد هذه التصورات وتكفير متبنيها وإعادة الاعتبار لشخصية
عيسى البشرية كرسول من جملة الرسل الذين أرسلهم الله عبر التاريخ.
ويبدو
واضحاً أن السياق القرآني يستحضر تاريخ المسيح ودعوته ليربط ماضي الإسلام
بحاضره كدين تقوم دعوته على توحيد الله والعودة إلى فطرة الإنسان وليبرز
التكامل الرسالي الذي درج الأنبياء على تأكيده.
إن جعل يسوع إلهاً
بشرياً وحيداً جعل المفهوم المسيحي الوحيد للحقيقة الدينية: أن يسوع كلمة
الله الأولى والأخيرة إلى الجنس البشري، واعتُبر الوحي المستقبلي غير
ضروري، وهذا ما سينقضه التاريخ -كما حصل مع اليهود - وذلك بظهور نبي جديد
في جزيرة العرب يكتسح معاقل المسيحية التي سيتحول الكثير من أتباعها
بأريحية إليه(85 )، وسيكون الأفق مفتوحاً عبر الرسالة الخاتمة التي أسست
لمستقبل جديد ينطلق من عمق التاريخ.


المطلب السابع
الرسالة الخاتمة والمستقبل

بختم
النبوة انتهى دور الأنبياء المباشر ولم يعد هناك وحي بين الله والإنسان،
فكان الإسلام ديناً يختزل الأديان ورسالة تختزل الرسل، والقرآن كتاباً
يهيمن على الكتب ويسترجع تاريخ العالم الروحي ليصهره في خط واحد يؤول إلى
مسؤولية الإنسان في علاقته بالإسلام، وباكتمال الدين وختم النبوة يكون
مفهوم الأمة الواحدة قد اكتمل(86 )، وعلى أساسه يكون ختم النبوة بناء لأمة
الأمم، وإلغاء للأمم العنصرية التي انحرفت بالأمة الواحدة، فجاء ختم النبوة
يؤسس لأمة جديدة، ويؤطر العلاقة بالماضي ويدعو إلى نقدها ومراجعتها، هذا
المعنى يتجلى بوضوح في دعوة القرآن لإنهاء المقارنة والاحتكام إلى الماضي
وترك المألوف منه في الماضي والتوجه لبناء الحاضر والمستقبل تِلْكَ
أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا
تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ[البقرة:134، 141]، القطع كان
ضرورياً مع هذا الحضور المستفحل للماضي في حاضر عصر الرسالة والذي يفسره
الرفض الحاسم من متلقيها لأي مراجعة له(87 )، لذلك كان الخطاب القرآني
حريصاً على مواجهة هذا البناء بتكريس وعي جديد بالزمن يفصل بين الماضي
وحيثياته والمستقبل الذي ينبغي أن يتطلع إليه الإنسان لتحقيق الاستخلاف
الإلهي للإنسان(88 ).
وتتأكد عناية القرآن بالزمان بأبعاده من خلال
منهجية القرآن في العلاقة مع التاريخ – الديني منه بالأخص - والتي تركز
إحياء النسق الحي فيه والهيمنة على المحرف منه، والاعتبار من مآله لئلا يقع
أتباع الرسالة الخاتمة بما وقع فيه أتباع من سبق من الأنبياء والذين تواتر
ذكرهم في القرآن.
فباكتمال الدين الحق الذي جاء به الرسل عبر التاريخ
مع ختم الوحي، أصبح المسلمون شهداء على الناسوَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ
أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  [البقرة:143]، شهادة ترتبط بالقوامة
بالقسط والشهادة لله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ
بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [النساء:135]، فمستقبل الإسلام مرتبط
بالمؤمنين بالرسالة الخاتمة الذين يتولون مهمة الرسول في شهادته على الناس،
وذلك في تجسيد عملي لختم النبوة ومباشرة الإنسان لتطبيق رسالة الله من غير
الرسل.
رسالة الأنبياء التي ستتولاها الأمة الخاتمة عبر الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر جعلت منها بهذا الأداء المشروط خير أمة أخرجت للناس
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ
الْمُفْلِحُونَ[آل عمران:104]، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ
وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].
لكن انقطاع الوحي وختم
الرسالات ومباشرة الإنسان للاستخلاف من غير رسل ليس مصادرة على التاريخ
وسنة الله فيه، فليس ختم النبوة إعلاناً عن عدم حاجة الإنسان إلى الإرشاد
الإلهي، فالختم ليس قطعاً لمصدرية الوحي في مسيرة الإنسان، إنما هو تغيير
في منهجية العلاقة مع الوحي.
وقد أدرك المسلمون طبيعة التحول، واعتبروا
تجربتهم مع الرسول  والتزامهم بسنته وهديه النظري والعملي، والتزامهم
الجهاد والاجتهاد في أمور الدين والدنيا كفيلاً باستمرار الرسالة وأداء
الأمانة، فبذلوا جهدهم وحاولوا وفتحوا الطريق لمن بعدهم، لكن التاريخ لم
يكن وفياً للرسالة دائماً، فكان الرسول – صلى الله عليه وسلم- يتطلع إلى
المستقبل دائماً ويسعى إلى ما هو أقوم دائماً، وكانت سيرة النبيين في
القرآن والحديث عن الرسالات السابقة نماذج نظرية وعملية للتقرب إلى الله
والرقي بالإنسان، فكان النبيون هم النموذج والأسوة والمراحل التاريخية التي
عاشوا فيها هي السنة والعبرة لبناء المستقبل.



الخاتمة:
أُحكمت
سنة الله في التاريخ أن يكون اتصال الإنسان المباشر بالله مؤقتاً، فبعث
الأنبياء عبر التاريخ يبلغون رسالاتهم وهم يتطلعون إلى المستقبل، فقد دعا
جميع الأنبياء إلى الإيمان بجميع الرسل من آدم إلى محمد -عليهم السلام-
فكان الرسل يبشرون بمستقبل يبعث فيه نبي يختم النبوة ورسالة تختم الرسالات،
ومن جهة أخرى كان من أركان الإيمان التي دعا إليها جميع الأنبياء الإيمان
بالمستقبل البعيد والمحتوم وهو اليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء على ما
قدمه الإنسان في دنياه، فعنصر الزمان بأبعاده كان حاضراً في رسالات
الأنبياء جميعاً، تذكيراً بالتاريخ والماضي من أجل تقويم الحاضر من خلال
دروسه والتطلع للأفضل.
ومن خلال تتبعنا لتفاصيل ما ورد عن الأنبياء في
القرآن وجدنا السياقات القرآنية تتضمن هدياً ودروساً وشواهد للمتدبر كي
يرتقي بها في سلوكه ويعتبر بالتاريخ في بنائه للمستقبل، بل إن أقدم لحظة
تحدث فيها القرآن عن الإنسان كان المستقبل فيها حاضراً وذلك حين تساءلت
الملائكة عن نتيجة مستقبلية متوقعة لديهم من صفات الإنسان هي الإفساد في
الأرض وسفك الدماء، وهبوط آدم  إلى الأرض اقترن بذكر المستقبل وشروط
النجاح فيه، حيث رافقت الإنسان الهداية والذكر والآيات إلى يوم القيامة،
فظهر مفهوم الآخرة ويوم القيامة وما يتبعه من مفاهيم الحساب والجزاء،
ليقترن بذلك أقدم ذكر للإنسان في عمق التاريخ مع آجل موعد له في المصير
والجزاء، وفي هذا دلالة هامة ترشد الإنسان إلى الاستحضار الدائم لطرفي
الزمان الماضي بأقدم لحظة فيه والمستقبل بآخر آفاقه التي لا يحاط بها،
ليتكئ على أحدهما للعبور إلى الآخر.
أما في ذكر نوح  فيلاحظ وجود
تركيز قرآني على مخاطر الظلم وأثره في انهيار الأمم، كما تضمن ذكره ربطاً
بينه وبين محمد - عليهما السلام - وبين قومهما من حيث منهج الدعوة والموقف
منها، وفي هذا إشارة إلى الدور الوظيفي للقصة في الخطاب القرآني من الناحية
النفسية والدعوية، فاستحضار شخصية نوح وقومه في القرآن يحمل دلالة للمتلقي
ليربط بين ماضي رسالة نوح ومصير قومه وحاضر رسالة محمد  والموقف منها
ليؤسس على ذلك نظرته نحو مستقبل.
وأما ذكر إبراهيم  فيتضمن مؤشرات
صريحة للمستقبل فقد خص بصراحة الأمر باتخاذه أسوة، والأسوة إنما تعني
اتخاذه نموذجاً في الحاضر والمستقبل، ويعلمنا القرآن من هديه دروساً في
منهج البحث عن الحقيقة والمجادلة عنه وتمحيص الدعاوى والحوار، وكذلك منهجية
التحول من الجانب النظري إلى الجانب العملي من خلال الحكمة في الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر والتحمل من أجل ذلك، وفي دعوة إبراهيم عليه
السلام إلى الحج والتطلع إلى مستقبل الإسلام وربطه بالمكان (البيت الحرام)
بعد إعماره وتطهيره، ربط للعالم بهذا المكان أين يمكنهم أن يستحضروا من
خلال الحج هذا التاريخ الرسالي وما تحمله رمزية نسكه من دلالات وهدي وعبرة
تعين في بناء المستقبل.
أما ذكر موسى فتضمن استحضاره التاريخ في دعوته،
فقد دعا قومه إلى التفكير في الخالق من خلال التاريخ والجغرافيا والماضي
والحاضر، والمسؤولية المستقبلية التي كلف بها بنو إسرائيل قد تأسست على
الوعي بالتاريخ واستحضار أيام الله، وفيما يتعلق بمصير قومه فما ورد فيه
ذكر اليهود يشير إلى المحاور التي ينبغي الاعتبار بها والحذر من الوقوع
فيها في حاضر المسلمين ومستقبلهم.
وتختص دعوة عيسى بالربط المباشر بين
ماضي الرسالات ومستقبلها، وأكَّد القرآن على السياق الرسالي التاريخي الذي
تتنزل فيه دعوة عيسى بين مختلف الرسل الذين أرسلهم الله قبله مع ربط
بالرسول الخاتم  وفي هذا إشارة إلى أثر الماضي في بناء المستقبل الآتي،
وفي ذكر تحول قومه عن رسالته دعوة للعبرة والعظة من أجل المستقبل ليحذر
المؤمنون من مواقف شبيهة من الرسول أو الرسالة، ويبدو واضحاً أن السياق
القرآني يستحضر تاريخ المسيح ودعوته ليربط ماضي الإسلام بحاضره كدين تقوم
دعوته على توحيد الله والعودة إلى فطرة الإنسان وليبرز التكامل الرسالي
الذي درج الأنبياء على تأكيده.
وجاء الرسول الخاتم  يستحضر جميع ما ذكر
فاعتني القرآن بالزمان بمختلف أبعاده، ودعا لإنهاء المقارنة والاحتكام إلى
الماضي وترك المألوف منه في الماضي والاعتبار به والتوجه لبناء الحاضر
والمستقبل، وكانت سيرة النبيين في القرآن والحديث عن الرسالات السابقة
نماذج نظرية وعملية للتقرب إلى الله والرقي بالإنسان، فكان النبيون هم
النموذج والأسوة والمراحل التاريخية التي عاشوا فيها هي السنة والعبرة
للعبور من خلالها إلى المستقبل، وبالخصوص من خلال الوعي بالقواعد السننية
التي أرشدت إليها مواطن ذكر الأنبياء، فمما تضمنته:
- التذكير بقوانين
النجاح مع ربطها بالإيمان، فالعلم يعصم الإنسان من الفساد في الأرض وسفك
الدماء، كما التوبة والاستغفار كفيلة بضمان الرخاء المادي والعطاء الإلهي.
-
الظلم مفتاح انهيار الأمم وهلاكها والعدل شرط قيامها، فما ذكره القرآن حول
مصير أقوام الأنبياء إنما هو تجسيد لسنة إلهية في قيام الحضارات والأمم،
وهو ما تكرر مع كل المستكبرين والمعاندين، فدرس المؤمن هنا أن يعتبر بمآلات
الظلم بأبعاده المختلفة ويحذر منه في مستقبله لأن فيه انهيار الأمم.
-
السنة الإلهية في الاستخلاف، فلا بد من تحقيق شرطي المعادلة المادي
والروحي، فالتقدم المادي مهما بلغ وتراكم من حضارة إلى أخرى لن يكون كافياً
لسعادة الإنسان ورقيه ولا بد له من ارتباط بالإلهي ليضمن استمرار الحضارة
وإلا آلت إلى الزوال والهلاك، فذلك ما حصل مع قوم نوح وهود وثمود وقوم لوط
وقوم شعيب، وقد عرضت الآيات القرآنية لنماذج من تقدمهم المادي ونماذج
لانحرافهم الذي أدى إلى هلاكهم، فلا فرق هنا بين الانحراف الأخلاقي أو
الاقتصادي أو غيره وبالخصوص إن توج بالظلم والانحراف العقدي.
- دور
الرسالة الإلهية والبعد الروحي في حياة الإنسان وتقويم سلوكه وتجاوزه
للأخطاء التي قد يورطه فيها طبعه عن قصد أو بغيره، وبهذا البعد نفهم الحكمة
والدرس من ذكر تجارب الأنبياء وكيف تعاملوا مع ما قد يتعرض له الإنسان،
نجد ذلك في قصص أيوب ويونس وزكريا ويحيى ويوسف وغيرهم.

وكأن رسالات
الأنبياء في إطارها النموذجي إذ يقصها القرآن إنما يعرض نسق الرسالة
الإلهية الكلي وتفاصيله عبر التاريخ لترشد إلى المستقبل، وتؤكد على شمولية
الرسالة الإلهية لجميع شؤون الحياة، وأن الانحراف في بعض أجزائها التفصيلية
كان سبباً في انتهاء استخلاف القوم واستبدالهم بآخرين، كما أن ذكر تلك
الرسالات يؤكد وحدة نسق الرسالة الإلهية التي ربط القرآن بين مختلف
تجلياتها عبر التاريخ، فيما تمثل أحسن القصص في القرآن – قصة يوسف- النموذج
الحي لما تطلبه رسالة الله من الإنسان أن يكون عليه، فهي نموذج في منهج
الرسالة ومضمونها العقدي والأخلاقي، وبالخصوص ما ذكره القرآن عن وعي يوسف
عليه السلام بأهمية المستقبل والتخطيط له، بل إن كل شي في قصة يوسف هو دعوة
للاعتبار والأسوة من أجل مستقبل أكثر وعياً وسلامة، فوعي سنن التاريخ
والتجارب فيه هي جسر العبور نحو النجاح في المستقبل.
أما عنصر الشباب
كجيل يعتني كثيراً بالزمن والمستقبل، فهم أهم من توجه إليهم دروس المستقبل
في أخبار الأنبياء، كونهم في بداية التكليف فيبدأ العمر وفق منهج سليم يجمع
بين معرفة القواعد النظرية والتجارب التاريخية، وأصدق التجارب هي تجارب
الأنبياء وأصحها ما أورده القرآن مركزاً على ما فيه العبرة والسنن الإلهية،
ثم إن كثيراً من الرسل وأتباعهم كانوا شباباً، ومن كان منهم كهلاً فهو
عبرة زائدة للشباب إذ إنهم قاموا بواجبهم بعزيمة الشباب واقتدارهم، فأولى
أن يكون المعتبر من الشباب بسيرتهم مقتدياً بهم في العزيمة والأداء.
إن
اهتمام الأنبياء بالمستقبل وتوجيههم للعناية بالغد والمصير، وتفصيل القرآن
لذلك وحكايته عنهم، لأهم دليل قرآني يؤصل للتركيز على المستقبل والاهتمام
به، بل إن مفهوم السنة والسنن في القرآن لا تتجلى آثاره للمتدبر إن لم يكن
هناك وعي في الحاضر بطرفي الزمن الماضي والمستقبل، والشباب وهم في مرحلة
تمثل منتصف العمر مطالبون بوعي في حاضرهم يستوعب عبر الماضي ويبني من
خلالها لمستقبل أفضل في شؤون الدين والدنيا وفيما يخص الفرد والأمة.






<br>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.www.pub-web.co.cc
ملكة الجمل
عضو جديد
عضو جديد
avatar

الجنس الجنس :
البلــــــــــــد البلــــــــــــد :
نوع المتصفح :
كيف تعرفت علينا كيف تعرفت علينا : كوكل
عدد المساهمات عدد المساهمات : 38
رصيد الكاتل رصيد الكاتل : 22
سمعة العضو في المنتدى سمعة العضو في المنتدى : 10
احترام قانون المنتدى احترام قانون المنتدى :

مُساهمةموضوع: رد: ¨°o.O (حصريــ) O.o°¨أثر الوعي ــــا ~*¤ô§ô¤*~التاريخ في بناء المستقبل~*¤ô§ô¤*~دراسة قرآنية ذكر الأنبياء نموذجاً   الأربعاء أغسطس 03, 2011 2:30 pm

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
¨°o.O (حصريــ) O.o°¨أثر الوعي ــــا ~*¤ô§ô¤*~التاريخ في بناء المستقبل~*¤ô§ô¤*~دراسة قرآنية ذكر الأنبياء نموذجاً
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
استضافة اشهار كوم للتطوير :: الفئة العامة ::   :: المنتدى الإسلامي-
انتقل الى:  
Alexa Certified Traffic Ranking for pub-web.yoo7.com/